مجمع البحوث الاسلامية
454
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
علاقة ، وهذا ما نريد أن نسجّله هنا . 3 - قال بعضهم : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ * أي حضّهم ، أو حثّهم ، أو رغّبهم ، أو شجّعهم ، أو استنهضهم ، ونحوها ، ونرى أنّ هذه لا تبلّغ سويداء معناها ، ولا تحاكي رمزها وسرّها . وقال الزّجّاج : التّحريض في اللّغة : أن يحثّ الإنسان غيره على شيء حثّا يعلم منه أنّه إن تخلّف عنه كان حارضا أي قارب الهلاك ، فأشار بهذا إلى أنّ المؤمنين لو تخلّفوا عن القتال بعد حثّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا حارضين أي هالكين . وهذا ما يساوق جوّ الآيتين من كراهتهم للقتال . وحكى ابن عطيّة عن فرقة من المفسّرين : المعنى حرّض على القتال حتّى يبين لك فيمن تركه أنّه حرض . ومن هنا تبيّن أنّ ما احتمله الرّاغب حيث قال : « كأنّه في الأصل إزالة الحرض نحو قذيته : أزلت عنه القذى » جاء هنا ، أي أزل حرض المؤمنين أي كراهتهم وقذارتهم للحرب من قلوبهم ، وبهذا يرجع المحور الأوّل إلى المحور الثّاني كما يأتي . 4 - ويبدو من سياق آيات الأنفال هذه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، أنّ المؤمنين حين ذاك كانوا في حالة يشكّ في كفايتهم وقيامهم لقتال العدوّ ، فخاطب اللّه النّبيّ عليه السّلام مرّتين ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اهتماما بالأمر وتوثيقا بالنّصر ، ولو كان عددهم عشر عدوّهم . ثمّ نبّه على أنّهم ضعفوا بعد ذلك إلى أن نزلت مقاومتهم إلى لزوم كونهم نصف العدوّ . وكذلك جاء في آية النّساء : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ما يشعر بقعود المؤمنين عن القتال ، فلا يكلّف به إلّا نفس النّبيّ ، عسى اللّه أن يكفّ به بأس العدوّ ، ومع ذلك أمر بتحريض المؤمنين إتماما للحجّة ورحمة عليهم . وأمّا المحور الثّاني وهو الهلاك ، فجاء في ( 3 ) حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ نقلا عن إخوة يوسف لأبيهم يعقوب الآسف الحزين على فراق ابنه يوسف في آية قبلها : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ، وفيها بحوث أيضا : 1 - قالوه - كما أشار إليه الطّوسيّ - إشفاقا عليه وكفّا له عن البكاء - وكما قال الطّباطبائيّ - رقّة بحاله ورأفة به ، لا تعييرا وملاومة وتوهينا إيّاه وتعنيفا به ، كما قال ابن عطيّة . أو لوما وتقريعا ، كما قال الخطيب . 2 - قد سبق أنّ الحرض : الهلاك ، لكنّهم تفنّنوا في بيانه بقولهم : حتّى تكون مدنفا مريضا ، ميّتا ، مريض الجسم ، مجنون العقل ، فاسدا لا عقل لك ، ذائبا من الهمّ ، فانيا ، هرما ، يا بس الجلد على العظم ، مهزولا سخيفا ضعيف القوّة ، ذاهبا ، هالكا ، مشرفا أو مشفيا على